لماذا رأي اليوم
لماذا رأي اليوم؟
December 25, 2023

قراءة في رواية المعطي للكاتبة لويس لوري

نخوض في قراءة رواية تستشرف مستقبل الإنسانية في عمل خيالي صرف يحيل على مجموعة من الأسئلة المؤرقة التي تستفز الفكر وتخاطب الضمائر وتترفع عن قيود المكان والزمان والشخصنة وتركز على الجانب الإنساني الصرف ومحدداته النفسية والذهنية والسيكولوجية بكل تجرد وموضوعية. رواية المعطي (المانح) عمل إبداعي من توقيع الكاتبة
:الأمريكية لويس لوري خرج للوجود سنة 1993. من خلال قراءتنا لهذا العمل المتميز سنتوقف مع القارئ الكريم عند المحاور التالية

قدسية النظام الصارم

تغوص الرواية في ثنايا هندسة مجتمع منظم بشكل دقيق وعميق يقوم على الرقابة والتضييق والترهيب وتجريد الإنسان من إنسانيته من خلال سلطة القوانين الصارمة. نتحدث عن مجتمع تسوده ثقافة النظام كنمط عيش يتوغل في تفاصيل حياة الأفراد و لا يدع المجال للصدفة أو الخطأ. يلتزم الجميع باتباع التصورات و التعليمات التي حددت لهم مسبقا منذ الولادة إلى سنوات توزيع المهام والاختصاصات حسب الفئات العمرية وانتهاء بسنوات التقاعد من أجل صناعة مجتمع خال من الجريمة والفوضى والسلبية لكن يفتقد حق الخوض في تجربة
.مختلف مظاهر الحياة خصوصا تلك المفعمة بالمشاعر والتفاعلات الوجدانية
.تعلو سلط النظام والتقنين والترهيب والعقاب على ما سواها من السلط وتحيل على مجتمع بئيس تغيب عنه روح القيم الانسانية وأدبيات الجمال

انسان مجرد من إنسانيته

حرية الاختيار

يسود منطق المجموعة داخل المجتمع وتصهر جميع الطاقات والمعطيات الفردية من أجل تكريسه واستدامة عناصر حضوره كيقينيات ومسلمات. يغدو بذلك الانسان مجرد روبوت يتلقى التعليمات وينفذ دون الإقدام على مساءلة نوعية ما يقوم به أو ماهية الحياة التي يحياها داخل المجموعة. من الغريب والعجيب أن يجد الإنسان مساره مسطرا بدقة من الولادة إلى الممات وليس له حق الاختيار أو التمرد على نسق نمط عيش وجد نفسه أسيرا له. على سبيل المثال، ليس للأم الحق في الاحتفاظ بالمولود إذ يتم تكليف عائلة أخرى بتربيته. يستفيد جميع السكان من نفس الوجبات الغذائية وليس لهم حق حرية الطهي في المنزل حيث يقوم مركز محلي بذلك ويوزع الوجبات على الناس، يحدد المستقبل المهني لكل يافع من قبل لجنة
.مختصة

مجتمع مجرد من المشاعر ونزعات الفردانية

في مجتمع يقدس للقيم المادية الصرفة، تعلو الإنتاجية بعنف وتسود النفعية ويوظف الكائن البشري في استمرارية النظام القائم. لا يعي ولا يستشعر الفرد معاني الحب والود والمشاعر النبيلة، كما لا يعرف معنى المعاناة مادام هناك من يتحمل عنه عبء حمايته من معايشة حدوثها (الشخص المسؤول عن الذاكرة في المجتمع). وفي قلب نفس المقاربة ليس للألوان
.معنى أو وجود، كما تغيب الموسيقى والفنون عن الإدراك ويظل المجتمع محروما من عالم الجماليات والروحانيات ولا ينكب إلا على ما هو مادي صرف

السيميائية في خدمة الإخضاع

يتعرض الناس لعملية ممنهجة تصبو إلى تشكيل وعي جماعي معين من خلال تنميط المفاهيم وشحنها بحمولات نوعية تخدم النظام القائم وتجعل الفرد مقبلا طواعية على سلوك محدد له سلفا ما دام تفكيره يقتصر على التنفيذ والامتثال للقوانين و يفتقد للحس النقدي والإدراك الذاتي الفعال. تستقر العدمية في قلب المجتمع ولا يجرؤ المرء على الخوض في السؤال
.ومساءلة أفكار من قبيل أسباب الوجود أو ماهية وحقيقة الكائن البشري

عدم تحديد المكان والزمان

التركيز على الفكرة، وضمنيا راهنية تحققها، بغض النظر عن المكان الذي يحتضن تجربة تنزيلها وزمن تحققها. في الواقع، تظل الفكرة قائمة وموضوع تحقق دون اعتبار للخصوصية
.الثقافية أو البنيات الفكرية والذهنية للناس، إذ تتكيف مع البيئة وتجهز على خصوصياتها

البحث عن الذات من أجل النجاة

يتمرد جوناس، الشخصية المحورية في الرواية، على اليقينيات القائمة وينحو نحو البحث عن التصور الشخصي للحياة التي يبتغي نسج ملامحها. يسترسل في طرح الأسئلة خلال
.حصص تكوينه بمعية المكلف بحفظ الذاكرة ويقرر الهروب عن المجموعة من أجل بناء حياة توافق تصوراته الشخصية وتخرج عن الحياة النمطية السائدة

نقطة التحول

يحدث التحول الحقيقي تدريجيا في مناسبتين، إذ في ثنايا المناسبة الأولى يكتشف جوناس معنى الاحساس لأول مرة في حياته ويرى الألوان وجمالها من خلال مشاهدته أثناء حصص التدريب لمشهد في الثلج ومشهد آخر لعائلة تحتفي بقدوم السنة الميلادية الجديدة فتحدث في دواخله رجة تأتي على يقينياته وتدفعه أكثر إلى الملاحظة والنقد والرفض لما هو موجود
.وشائع
في المناسبة الثانية والتي تميزت بالصدمة والعنف، يكتشف جوناس معنى عملية “تحرير” ويقف عن قرب على حقيقة كذب الأب وقيامه شخصيا بقتل جنين بريء بعد مشاهدته لفيديو
.يوثق للعملية. حينئذ يثور جوناس ويقرر مغادرة المجتمع الذي يحتضنه من أجل إنقاذ المجموعة ككل وتحريرها من نمط العيش القائم

تم نشر المقالة على رأي اليوم 09 أكتوبر 2023 أنقر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *