عن سهولة وسلاسة الاختراق الخارجي للمنطقة العربية
May 16, 2024
المجتمع العربي وتجليّات الفوضوية
June 26, 2024

رمضان والوجه المظلم للمجتمع

رمضان والوجه المظلم للمجتمع

رمضان والوجه المظلم للمجتمع

تتدفق من سماءِ شهرِ رمضان زخات من الحكم والفضائل، ما يدعو إلى التدبّر والتفكّر من أجل السعي نحو تحقيق التمثّل الصحيح والأمثل لهذا الشهر المبارك، وتنزيل مكنوناته في قلب عمليات التقويم والتصحيح والارتقاء. فكلّ مسلم له تصوّر معيّن عن الشهر، والحكمة من صيامه، وكيفية تدبير أيامه، والاستفادة منه بحسب قناعاته ونوعية إدراكه وحمولته النفسية
.والذهنية… ومع ذلك يمكن معاينة بعض الممارسات لدى السواد الأعظم من الناس، والتي تحيل على بعض القراءات والاستنتاجات

بدايةً، لا بأس من المرور على بعض فضائل الشهر الكريم التي تكتنز من العمق والبعد المستقبلي ما ينال الأولوية والأهمية والجدّية في التدبر. وهنا يمكن القول إنّ صيام رمضان يرمي إلى السمو بالروح وتحريرها من أغلالِ سلطةِ الغرائز البدائية وفسح المجال لملكاتها من أجل فكّ التبعية عن كلّ ارتباط مادي والانغماس في ملكوت الاستقلالية والكشف عن مكنونات الجمال والقوّة في الذات البشرية، ونقل المتعة من قلبِ الإشباع المادي إلى فضيلة الانتشاء الروحي. وفي السياق نفسه، يرجى من فضيلة الصيام بلوغ مستوى متقدّم من الترفّع عن صغائر الأمور والأفكار والاهتمامات وتطهير النفس من الغلِّ والحقد وشوائب النفس البشرية والتعامل الإيجابي مع هشاشتها وضعفها بغية تقويم الذات وكبح الأنا وعدم الانجراف وراء
.ميولات التكبّر والاعتداد بالنفس وتشكيل شخصية متوازنة في مسارٍ تصاعدي من البناء والاجتهاد

للأسف، هناك فجوة عميقة بين ما ذكرناه من فضائل وأهداف وبين التمثّل الواقعي لرمضان، إذ لا نراه إلّا مرآة للوجه المظلم للمجتمع من خلال عمليات التعرية التي يسبّب تنشيطها. وبعبارة أخرى، نعاين من قرب مدى الانفصام القائم بين ماهية تشريع صيام رمضان وتجلّياته في الواقع المعاش. فكيف يمكن تفسير ذلك؟

نصوم الشهر امتثالًا لفريضة شرّعها المولى عزّ وجل، ونرجو نيل الرضا والأجر والثواب، لكن، تفتقد هذه المقاربة لما يمنحها البعد والجمال والعمق في الامتثال والترسيخ، إذ إنّها تميل إلى العادة والتمثّل في الطقوس والابتعاد عن العلم والمعرفة والعمق، مما يكبّلها في أغلال الانكفاء والانطواء والاتكالية والفهم السطحي المريح للنفس وعدم البحث عن آفاق أبعد. حقيقة، يقع الشهر كلّ سنة، وتُعاد الممارسات أنفسها والعادات من دون التوقّف، ولو لحظة، من أجل الإقدام على مساءلة ماهية ما نُقدم عليه من فرائض وتطوّع، فكيف السبيل إلى الارتقاء في غياب التدبّر والتفكّر والمراجعة؟

كما يكمن ترسيخ العبادة في الإقبال عليها بحبٍّ واقتناعٍ وتركيزٍ وعطاءٍ وبحثٍ مستمر في كنوز معارفها وجاذبية لذّتها. هل تستوي العبادة القائمة على خضوع مأتاه الخوف من العقاب
.والترهيب مع تلك القائمة على حبٍّ واقتناع وانصهار؟ من المؤكد لا

في الحبِّ، تنفجر ينابيع العطاء والسخاء وإنكار الذات والمبادرة في إسعاد الآخرين، ولكن في ثنايا الخوف وخشية العقاب، تنحصر العبادة في أداء الدين والواجب والتركيز على الأجر
.والحياة الأخروية مع القفز السريع عن أثر العبادة ووقعها على الحياة الدنيوية

وعوضَ مُساءلة نوعية نمط العيش المتبع، وما يتخلّله من عاداتٍ استهلاكية يومية، وأحيانًا بعض الترف الزائد، استجابةً لنداء الغرائز المادية، حيث ينخرط معظم الناس في التكريس لعادات موسمية استهلاكية صرفة صارت مقترنة برمضان وأُدخلت في خانة خصوصيته. ومن المؤكد أنّ للشهرِ رونقه المتميّز وأجواءه الجميلة، لكن على ما يبدو تمّ تلطيخها بعملية الاستهلاك بإفراطٍ ونهم. متى نعي جيداً، ونتذكر فعلياً، أنّ الشهر فرصة لكبح الغرائز البدائية وسمو كلّ ما هو روحاني بمعية نشاط قيم الفضائل الجميلة؟

كما تسترسل بعض الخطابات الفقهية في تكريس التصوّرات المتوارثة عن الأجداد بالترفع عن معطيات الزمان والمكان والخصوصية وتبثُّ الجمود في البنيات الفكرية القائمة وتسلبها القدرة على الانخراط في العصر ومسايرة الأمم الأخرى. ثمّة حاجة ملحة إلى خطاب حركي متجدّد يساير متغيّرات العصر ويخاطب البنيات النفسية والذهنية للأجيال الحالية، وينفتح على مخاوفها وهواجسها وآلامها. وإذا كان الكون في حركية مستمرة لا تعرف التوقّف، ولو برهة قصيرة، فكلّ كائن بشري إذن، مدعو إلى الانخراط في أحضانها ومسايرتها بأنساقه الفكرية
.وتصوّراته حول جميع تفاصيل الحياة

بكلّ تأكيد، يكابد العربي المسلم الأمرين من أجل تنزيل حكم شهر رمضان على أرض الواقع، ما دامت بيئة التنزيل تضم من العوائق ما ينفر ويحبط ويجبر على الاستسلام ومسايرة السواد الأعظم من الناس والانقياد إلى سلطة العادات والطقوس. ليس هناك إذن من مفرٍّ سوى بناء بيئة طوق النجاة بمبادرة شخصية، بعيداً عن التواكل والتبعية والارتماء في دفء
.أحضان المنحى العام

تم نشر المقالة على العربي الجديد 23 مارس 2024 أنقر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *