!ما أحوجنا إلى ثقافة التداوي بالكتب
September 26, 2021
The earthquake
September 27, 2021

لماذا يجب قراءة رواية 1984 لجورج أورويل؟

حينما تقدم على قراءة أحد أعمال المبدع جورج أورويل ينتابك شعور بالرهبة ممزوج بشغف الغوص في العمل لضخامته وعمق حفرياته ونوعية استشراف أبعاده وكيفية استفزازه للعقل. تصنف رواية 1984 مع إبداعات الأدب السياسي وتحظى باهتمام بالغ وإقبال متميز خصوصا في السنوات الأخيرة لما تكتنفه من أحداث ومعطيات تحظى .بالمعقولية وشرعية الإسقاط على الواقع وقوة استشراف المستقبل بتفاصيله وعناصره المفصلية

من أين تستمد رواية 1984 قوة فرض الحضور و راهنية محتويات العمل؟

يمثل العمل تصورا استشرافيا للمستقبل في براثن النظام الشمولي الديكتاتوري وغيابات الظلم الاجتماعي من خلال قوة حبكة العمل ببنائه المتين والتشريح الدقيق لنفسية وذهنية الشخصيات المحورية في الرواية والتي لها دلالة وحمولة لتمثلات المواطنين في حقبة معينة من الزمن وفي مكان
.استراتيجي في جغرافيا و تاريخ البشرية ووفق أحداث ووقائع نابعة عن الفطنة و قوة الحدس والتبصر وبعد النظر

تشريح أنساق النظام الشمولي الديكتاتوري

يتمحور البناء النسقي للنظام حول تقديس الحاكم وصهر وتسخير كل مقومات البلد المادية والمعنوية في خدمة النظام واستدامة وجوده. يتمتع الحاكم (الأخ الأكبر) بالقدسية والولاء والطاعة إلى حد درجة تخوين وتصفية كل من تجرأ على نقد سياسته. فهو الملهم المستأثر بالحكمة والبصيرة والمعصوم عن الزلات، يسود ويحكم وتوظف الالة الاعلامية بقوة من أجل ترسيخ حضوره في ذهنية ونفسية المواطن كمعطى بديهي غير قابل للنقاش أو حتى التدبر. أينما حللت وارتحلت الا ووجدت نفسك أمام صورة من صوره تحمل تقاسيم وملامح معينة من وجهه وضعت لغرض فرض
.الرقابة الذاتية التلقائية. هو الحاكم المستقر في الشعور واللاشعور، في اليقظة وأثناء النوم وربما في الحياة وما بعد الممات

يرتقي إذن الحاكم الى مرتبة النواة الصلبة في جسم النظام القائم على هياكل متينة تضمن حمايته وحيويته و تخدم صلابة ويقظة النظام من خلال تهيئة المواطنين وضمان شيوع الخنوع والخضوع والطاعة من قبيل وزارة الحب ووزارة السلم ووزارة الحقيقة
كما تؤسس منظومة الأمن القومي على مقاربة أمنية شديدة الصلابة بمعية النظام البوليسي و نشاط شرطة الفكر للحفاظ على الأمن من خلال
.تتبع تفاصيل سلوك المواطن وتحركاته وعدم ترك أي هامش للخطأ أو الاختراق

فلسفة النظام

ثمة ترويج مضلل يجعل من النظام الديكتاتوري نظاما عادلا في خدمة الجميع يقدس الصالح العام و يلعن الفردانية ويحارب الأنانية واحتكار السلطة
.والثروة ويدعو إلى التضامن والتوحد في السراء والضراء
تركز فلسفة النظام الشمولي على الذخائر اللامادية للإنسان من أحاسيس ومعتقدات وغرائز وقيم تنهمك على تفكيك الإنسان وسلخه من انسانيته وصهره في النسق العام للنظام. هناك تقنين رهيب لتفاصيل الذات الانسانية وتوجيهها وفق نمط عيش مقنن يخدم استمرارية الديكتاتورية القائمة ويعمل على: فرض الولاء وفرض حب الزعيم بصناعة الخوف، تفكيك المواطن وتجريده من قدراته المادية والمعنوية واختزال كينونته في أداة مجردة خاضعة، محاربة الذكاء وتصفيته، توظيف الغرائز البشرية من خوف وكراهية وطموح كقوة دفع في تحقيق مصالح الحزب الحاكم والوحيد، صناعة التزييف عبر سحق الذاكرة بتحريف التاريخ واعادة كتابة الكتب وتزويرها وتشويه التحف الفنية واعادة تسمية الآثار والشوارع، صناعة التدجين من خلال تدجين الفكر والوجدان والذوق، صناعة التزييف والكذب وتحريف الحقائق من أجل إقصاء أي منافس محتمل حتى ولو كان من المخلصين ذوي الشعبية المتصاعدة، صناعة الأعداء والحروب لتهييج المواطنين وتمويه تركيزهم على القضايا المفصلية، اثارة الكراهية والخوف والهلع المستمر، صناعة ذيوع التفاهة و الرداءة و إغراق الناس في هموم الروتين اليومي والصراعات الجانبية فيما بينهم ونشر الإشاعات وتجريدهم
.من أي حس أيديولوجي أو سياسي حيث تقتصر مهامهم في أداء الأدوار البدائية من عمل واستهلاك وانجاب
.كل شيء هو موضوع صناعة من العقيدة الى الحقيقة وصولا الى الأسرة، لا مجال للفراغ

اللغة في قلب السيميائية

تتسم سلطة اللغة والكلمات بالنعومة والليونة لكن وقعها عنيف جدا و شديد الجبروت، إذ توظف بدقة في الهجمات التي تستهدف الإدراك الفردي والوعي الجماعي على حد سواء. ليس من الغريب إذن أن تحظى اللغة المتداولة بالأولوية في اهتمامات النظام الديكتاتوري مما يفسر صياغة عمليات ممنهجة من أجل تشكيل اللغة وتنميطها بحذف كلمات وإضافة أخرى حسب مقاصد النظام القائم و نوعية الذهنيات المراد تشكيلها واخضاعها. تتقلص اللغة من سنة إلى أخرى عكس ما يجب حدوثه من تطور وإغناء بغية تقليص الفكر والاجهاز على الملكات الفكرية والمعرفية
.للناس و استئصال بيئة الفكر بإجراء تعديلات جذرية على النتاج الفكري من أدب وتاريخ وفنون
يهدف النظام الشمولي من خلال تبنيه للحرب السيميائية قلب المفاهيم وفرض مصطلحات من قبيل الأخ الكبير، .عدو الشعب،الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة

تجريم التفكير

حتى حق التفكير والتدبر وطرح السؤال يجلب الويلات على صاحبه الغير مطالب بتاتا بالاقدام على أي مجهود ذهني مادام هناك مؤسسات تفكر مكانه وأحسن منه. ترقى عملية تجريم التفكير الى روح فرض الوصاية والخضوع ووأد بوادر الممانعة والمقاومة والمعارضة منذ المهد. نتحدث هنا عن فرض نوع من الإرهاب الفكري وضرورة الاستسلام والخضوع النفسي والذهني والفكري لما يروجه الحزب من ايديولوجيا وأفكار إذ حتى الاختلاء بالنفس يعد مدعاة للتوجس والريبة. من تجليات هذا النزوع كون إنتاج الكتب لا يعدو عنه إنتاج بضاعة للاستهلاك العادي كما تستهلك باقي
.البضائع وتستخدم جميع الخدمات العمومية
الهدف إذن هو صناعة شعب بدون إدراك، تفكيره معطل، حسه النقدي عقيم، العاقل من الناس هو من لا يفكر يقوم فقط باستقبال ما يروج دون
.أدنى جهد من التمحيص أو التفكير

المقاربة الأمنية والتجسس

تتعمق المقاربة الأمنية في جذور المجتمع الى درجة اختراق الأسرة وجعلها ملحقة بجهاز الأمن من خلال تبليغ الأبناء عن الآباء ونبض القلوب على أنين الهلع والتوجس. في مجتمع منغلق حيث كل التحركات مراقبة، كل الأصوات مسموعة ، شاشات التجسس منتشرة في كل مكان من أجل المراقبة، استقرار الجواسيس في تفاصيل الحياة اليومية، من الطبيعي إذن أن يشيع شطط السلطة وتجريم وتصفية جميع المنتقدين والمعارضين
.وأن يختفي الناس ليلا ويتم ايداعهم في السجن بدون محاكمة

تفكك التوليتارية بزخم تناقضاتها الداخلية

بالقدر الذي يبدي فيه أصحاب النظام الشمولي مزاعم حول صلابة أنساقه وتماسك نسيجه الاجتماعي وترسيخه الاستقرار والأمان بالقدر نفسه
.تستوطنه النواقص والتناقضات الداخلية المميتة
من وجهة نظر مؤسساتية، ما يثير الاستغراب هو اجتماع النقيضين في تسمية الجهاز (الوزارة) ووظيفته الفعلية في محاولة خبيثة للتحايل على إدراك الناس والاستهانة بذكائهم. في العمق الاجتماعي، يسود الميل الى الانغلاق والتزمت والفكر الواحد والترويج لنظرية المؤامرة والارتياب من الآخرين عوض الانفتاح على مخاوف السواد الأعظم من الناس وطموحاتهم ومحاولة مساءلة أحوال البيت الداخلي، مما يجهز على نفسية وذهنية المواطنين ويزيد من حدة الاحتقان الداخلي وفقدان الثقة في صناع القرار. من تمظهرات ذلك يحيل الكاتب القارئ على مثال معبر ألا وهو ذيوع اليأس وسط العامة إلى درجة انتشار القمار والمراهنات التي أصبحت السبب الوحيد للناس في العيش والتمسك بالأمل مع العلم أن المراهنات
.مقننة من طرف الحكومة وتحت رعايتها والأرباح المزعومة تبقى نوعا من الكذب والاحتيال على عقول البسطاء
بايجاز، في الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة الحرمان والفاقة والتفقير، يستمتع زعماء الحزب الحاكم في رغد العيش والرفاهية بكل
.صفاقة وأنانية
سياسيا، يتسيد الخواء السياسي الساحة بإقصاء جميع الفاعلين والأفكار والاجهاز على الحركية السياسية الحاملة للمشاريع وفرض الوصاية
.والترهيب المولد للانفجار

تم نشر المقالة على رأي اليوم يوم 28 يونيو 2021 أنقر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *