نماذج تنموية أساسها “الفهلوة”
October 16, 2020

تأملات في واقع غمة الاقتصاد المغربي

غني عن البيان القول بأن الاقتصاد المغربي يعاني تسيد الهشاشة وتراكم الأزمات والخيبات ولم ينجح في الاستجابة لطموحات المغاربة في رفع الفاقة والتخفيف من حدة الفقر وتحسين نمط العيش. غير أن ما يدعو إلى الارتياب هو إصرار الحكومات المتعاقبة خصوصا خلال العقدين الأخيرين على الانكباب والاكتفاء بالحلول السهلة والسريعة من قبيل الزيادة في الضرائب خصوصا على الطبقة المتوسطة المتاكلة واللجوء إلى القروض
.الخارجية والامتثال الكامل إلى تعليمات المؤسسات الدولية
في الواقع، لم يزد منحى الارتهان إلى الحلول الآنية التقنية الترقيعية الأزمة الاقتصادية إلا تعمقا واستفحالا على المدى البعيد وكرس ضعف الحصيلة
.الاجتماعية وأفقد المواطنين الثقة في الحكامة السياسية القائمة وأداء النخب السياسية
من المؤكد أنه من المستحيل الحديث عن الغمة الاقتصادية دون استحضار المحددات الثقافية والسياسية والاجتماعية، أو بفصلها عن منظومة الأمن
.الاقتصادي للبلد ككل والتي تتأسس على مقومات مفصلية من قبيل الأمن الزراعي والأمن الغذائي والأمن المائي والأمن الطاقي
باتباع مقاربة شمولية يعاني الاقتصاد المغربي من عدة اختلالات بنيوية تحول دون تحقق أمل الإقلاع الاقتصادي منذ عقود خلت. نركز على أهمها من
:خلال العناصر التالية

اقتصاد بدون هوية

يفتقد الاقتصاد الوطني للهوية ولم يستطع بناء الشخصية وفرض الذات رغم التوجه منذ السنوات الأولى لمرحلة ما بعد الاستقلال نحو اقتصاد
.زراعي ومتنوع. غير أنه لم يستطع تحقيق الاكتفاء الذاتي ولم يحظى بنجاح تجربة صناعية محلية او قيام قطاع خدماتي مستقل ونشيط
قد يندرج واقع فقدان الهوية الاقتصادية في إخفاقات مسار بناء الدولة الوطنية وسطوة الصراعات الإيديولوجية في قلب بناء الخيارات وافتقاد
.الواقعية والعقلانية

نفسيا وذهنيا

يسود الشعور باليأس والإحباط لدى السواد الأعظم من الناس ويطغى واقع عدم الثقة في النخب السياسية مما يعيق عمليتي الاستثمار والانتاج مقابل شيوع الركود والانكماش. حقيقة، هناك تطلع شعبي إلى إحداث تغيير فوري وعدم القبول بالاكتفاء بالتعديلات أو الاصلاح التدريجي حيث أن السواد الأعظم من الناس يتوق إلى تنمية اقتصادية تنعكس حسناتها على التنمية الاجتماعية وتحد من هول الفوارق الاجتماعية. ثمة إحساس
.بالحيف والجور والسخط على مقاربة توزيع الثروات المتبعة وتكدس رؤوس الأموال بين أيادي القلة المحظوظة

بنيويا

هناك محاولات لبناء اقتصاد وطني على أسس قطاعات حيوية منتجة، لكن في غياب نجاح عملية الهيكلة والتقنين تبقى جل القطاعات هشة وسريعة التأثر كما هو الحال بالنسبة للفلاحة التي يتوقف حصادها السنوي على الأمطار ونفس الشيء بالنسبة للسياحة القطاع الأكثر حساسية
.لعدة معطيات تتعلق أساسا بالاستقرار
كما يلاحظ افتقاد القطاع الاقتصادي عموما للحركية الاقتصادية في غياب تعدد الفاعلين وتسيد الاحتكار وأنماط الريع مما أدى إلى فشل تجربة بناء
.قطاع خاص محلي قوي

البنيات الفكرية

هي نفس البنيات الفكرية التي نجدها في المنطقة العربية التي تئن تحت وطأة الموروث الثقافي الجامد والأساطير والأوهام وغرائز العاطفة
.والانتماء القبلي
.هي بنيات تقليدية تشكل عائقا أمام انبعاث أي فكر اقتصادي عصري قائم على الواقعية و المنفعة والإبداع

الرؤية الاستشرافية

هل حقا نملك حق بناء الرؤية المستقبلية؟
للأسف من الصعب بناء الرؤية الاستشرافية المستقبلية في ظل تطويق خارجي رهيب وجغرافية معقدة وحساسة وتبعية للمستعمر القديم، مما
.يفسر ضبابية المشهد الاقتصادي في ظل غياب خطط عمل مستقبلية حقيقية والإصرار على الاقتصار على القرارات الآنية
في خضم هذا الوضع المعقد، لا يتردد المواطن في التساؤل عن سبب الإلحاح على التمسك بنفس التصورات وأنماط الإنتاج والتدبير؟ هل يختزل الأداء الاقتصادي في عمليتي التدبير و اتخاذ القرارات الإجرائية؟
قد يكون هذا الإلحاح نتاجا منطقيا لدفاع القلة المحظوظة على مصالحها والسعي وراء استدامتها، أو تكريسا لتبعية عملية صناعة القرار إلى التدخل الخارجي خصوصا في النسيج الاقتصادي، أو إلى افتقاد الجرأة على الخوض في تنزيل أفكار وبدائل حديثة وبالتالي عدم المس بمعادلة تحديد
.الخيارات والأولويات
قد يحتاج الاقتصاد الوطني إلى عملية هدم التصورات والبنيات الفكرية التقليدية وكدا الخيارات المتراكمة منذ الاستقلال السياسي للبلد والانطلاق
:في عملية تشييد الأسس من خلال محاور مفصلية تهم أساسا

الرؤية المستقبلية

هل من المنطقي الهم بعملية التشييد دون امتلاك الرؤية المستقبلية؟
يزخر البلد بالمادة البشرية الخام التي تحتاج إلى الصقل والاحتضان في أنساق عمل بناء وفق رؤية مستقبلية تشاركية. أي تصور لاقتصاد الغد نرجو بناءه؟ ما هي آليات بناء هذا التصور؟
من المؤكد أن عملية بناء التصورات المستقبلية ترتكز على الواقعية و العقلانية والتشاركية وصدق الإرادة السياسية في إحداث التغيير. تم إهدار مجموعة من المقومات المادية والمعنوية وإضاعة الوقت في صراعات إيديولوجية وخلافات جانبية أخرت عملية بناء التصورات بطريقة عقلانية
.وموضوعية

إعادة بناء المفاهيم

كيف يمكن الخوض في عملية بناء أنساق تصور اقتصادي مستقبلي إذا كانت النواة الصلبة لخلايا الأنساق متهالكة. هذا ما ينطبق على المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة البناء والمراجعة والمساءلة والتحقيق ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر: مفاهيم الاستقرار الاقتصادي ،النمو، الثروة، التنمية
…الاقتصادية، المردودية

إعادة تحديد الأولويات

هناك حاجة ملحة لإجراء القطيعة مع البنيات الذهنية والفكرية التقليدية وتبني الموضوعية والعقلانية عوض
الإصرار على نفس التصورات والآليات التي أدخلت الاقتصاد الوطني في سلسلة لامتناهية من الأزمات ورسخت لممانعة رهيبة لكل ما هو حداثي
.وثوري مقابل تقديس النمطي المعهود
لماذا الإلحاح على احترام نفس مقاربة التوازنات البنيوية وجعلها مقدسة غير قابلة للمراجعة؟ كيف يمكن تفسير استمرار نفس أنماط الإنتاج في الهيمنة على القطاع الاقتصادي؟
مما لا مرية فيه يحتاج البلد إلى بناء نموذج تنموي محلي يقوم على قيم العمل الجاد والمنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص من أجل تنويع موارد خلق الثروة وتعدد الفاعلين لدب الحركية وتحويل الساكن إلى متحرك
وتشجيع الاستثمار. حاليا تصل نسبة الاستثمار إلى 35 % من الدخل الوطني لكن
.مقابل 3 % من نسبة النمو بسبب الاختلالات البنيوية القائمة
كما يجب التأسيس لثقافة الإقدام على المبادرة الحرة الفردية من أجل خلق مقاولات صغرى ومواكبة تطورها بتليين القوانين وتخفيف العبء
.الضريبي وتوفير الموارد المالية و اللوجيستيكية

خلق بيئة استثمار سليمة وتحفيزية

من أجل خلق بيئة استثمار توظف طموحات الناس وتستوعب الطاقات البشرية والمادية هناك ثوابت معلومة لدى الجميع لما لها من وقع نفسي وذهني وتحفيزي على الجميع نركز من بينها على سلطة القانون، إصلاح الإدارة، محاربة الاحتكار، تحويل الريع إلى نشاط اقتصادي منتج، هيكلة
…القطاع الغير نظامي، ترشيد النفقات، وعقلانية التدبير

تم نشر المقالة رأي اليوم يوم 15 نونبر 2020 أنقر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *